وشاح الخوف
قصة قصيرة
بقلم /ندامحمود
روحٌ أُرهقت … عينٌ دُبلت … وجهٌ شُحُب … ميتٌ على قيد الحياة ما زال يتنفس فقط ، صرخاتٌ صامتةٌ تُمزق القلب ، أهرع ُ إلى صوت موج هذا البحر لأهرب من ضجيج هذا العالم المؤلم .. وأشاهد غروب الشمس فتبدو وكأنها ترحل وتأخذ معها ذكرياتى العابثة ؛ لتعود إلي بيوم جديد .
هاجر من خلف حسناء :
مَنْ أنا ؟
حسناء بسعادة :
هاجر صديقتى .. ما هذه المفاجئة الرائعة !
كيف حالك يا عزيزتى ؟ وكيف عرفتى أننى هنا ؟ ومتى قدمتى ؟
هاجر :
بخير جداً الحمد لله . قدمتُ منذ ساعة وأول شئ قمت به هو مجيئى إليكى لأطمئن عليكى .. لقد اشتقت إليكى كثيراً وأخبرتنى والدتكِ أنكِ تأتين إلى هذا المكان كل يوم .
حسناء :
نعم ؛ انظرى إنه لمكان جميل !
والسماء صافية مع غروب الشمس هذا الساحر .
هاجر :
حقاً إنه مدهش ؛ ولكن لما يبدوا عليكى القلق والخوف ، فتبدين دابلة كورق الخريف ، منذ أن سافرت لم يسعنى الوقت لنتواصل معاً ، لقد تغيرتِ وليست أنتِ التى عرفتُها فى سنوات الجامعة .
حسناء :
لا أُخفى عليكِ . أنا مُتعبة ولا أعلم بما أُعانى ، بُكاءٌ بلا سبب ، حُزنٌ بلا سبب ، حزنٌ يجتاحنى وكأن هناك وِشاحٌ أسود
يلتف حول عنقى يريد قتلى ..
هاجر :
لا بأس يا حسناء ؛ هونى على نفسك وأفيضى ما بجبعتك حتى يرتاح قلبك المنفطر .
حسناء :
المشكلة هنا أننى لا أعلم ما بي ؛ ماذا أصابنى ؟ ولقد ذهبتُ إلى الكثير من الأطباء وكل شئ على ما يرام ، وقد ذهبت أيضاً إلى شيخٍ معالج وقال لى أننى مصابة بسحرٍ أسود، ولا أدرى ماذا أفعل ,
هاجر :
وأنتِ صدقتى ذلك !
أنتى تُدركين ما أقول ، كذب المنجمون ولو صدفوا .
حسناء :
ولكن هو ليس بدجالٍ ، إنما هو شيخٌ معالجٌ بالقرآن .
هاجر:
ولو يا حسناء ، كفى عن هذا أرجوكى ، خًلق الإنسان ضعيف الجسد ، قوياً بالتقوى والإيمان واليقين المطلق فى الله عز وجل ، فعليكِ أن تواجهى هذاالخوف لتجتازيه ولا تستسلمى ، لقد حُمل الإنسان برسالةٍ ، خشيت الجبال من أن تحملها ، والله حليمٌ يدركنا جيداً ولكنه يختبرنا فى بعض الأحيان ليزيد من درجاتنا رفعة .
حسناء :
نعم ؛ كلامك أراحنى إلى حد ما ، ولكن أنا عاجزة فهذه قوة أكبر منى بكثير .
هاجر :
اسمعى ؛ لن أقول لكِ أن السحر والجن مجرد أساطير أو خرافات ، هم حقيقة موجودة مثلُنا تماماً ويستحيل الإنكار بأنهم أكبر الأعداء للبشر ، ولكن الجن والشيطان مخلوقان من النار وهذه النار لن يُطفئها إلا الوضوء .
هيا لقد دمس الظلام وحل الليل وعلينا المغادرة ، وغداً نلتقى .
حسناء :
حسناً ؛ إلى اللقاء .
فى اليوم التالى :
هاجر فى بيت حسناء واستقبلتها بالترحاب .
حسناء : أهلاً وسهلاً بك ، يا هاجر .
هاجر :
كيف حالك اليوم ؟ وكيف أبليتى ؟
حسناء :
الحمد لله : لقد جلست مع نفسى وقد فكرت فى أن أواجه هذا الخوف وأن أكون اقوى ،فقلت لما لا تكون معى قوة فى الخير تواجه تلك القوى المظلمة .
هاجر :
لم أفهم بعد !
حسناء :
لقد جلست أمام الحاسوب أمس ؛ وبحثت فى مواقع الإنترنت وظهر لي كتاب يُسمى شمس المعارف وقلت فى نفسي أستعين بقوة بإذن الله تعالى لأهزم مخاوفى وأرضى فضول نفسى أيضاً ؛ فى معرفة مَنْ يكنْ لي كل هذا الأذى والحقد لهذه الدرجة .
هاجر: ولكن هذا من المحرمات ويُغضب الله وكونى على يقين أن خشية الله هى النصر فى أي معركة مهما بلغت من الحدة والصعوبة ، فتوخى الحذر من الوقوع فى الخطأ .
حسناء :
يا هاجر ؛ أنا لن أُؤذى أحداً أبداً ، كل ما فى الأمر أريد أن أحمى نفسى وكل مَنْ أُحب من هذا السحر اللعين .
هاجر :
لا ؛ لو اجتمع الكون كله بما فيه من مخلوقات الله عز وجل على أن يضرك بشئ ولو بشق تمرة، لن يضرك إلا بالشئ الذى كتبه الله .
حسناء :
إن شاء الله سأحاول ولكن الفضول يقتلنى ، هى محاولة واحدة فقط لأجد الأجوبة عن أسئلتى .
هاجر :
حسناً ، ولكن لا تنسى أننى حذرتك .
ومرت أيام قليلة .
وإذ بالهاتف يرن لدى هاجر وكانت والدة حسناء .
هاجر:
السلام عليكم يا خالتى ، كيف حالك ؟
والدة حسناء :
وعليكم السلام يا ابنتى ؛ الحمد لله على كل شئ ، هاتفتكِ لأن هناك شئ أريد التحدث معك فيه .
هاجر :
نعم ؛ يا خالتى ، أنا أسمعك … لقد أقلقتينى .
والدة حسناء :
يا ابنتى ، حسناء طوال الوقت فى غرفتها وعندما ادخل عليها أُلاحظ عليها شئ غريب ، جسدها يرتجف ، وعينُها لونها أسود غليظ ، وعندما أسألها ؛ تقول لى أنها بخير ، لكننى قلقتُ جداً عليها .
هاجر :
لا حول ولا قوة إلا الله ، لا تقلقى سأُحادثها إن شاء الله .
والدة حسناء :
أشكرك يا ابنتى ، أنا أعلم أنها مثل أختك ، وهى تحبك كثيراً .
هاجر :
نعم يا خالتى ؛ ستكون بخير إن شاء الله .
وأغلقت الهاتف وقامت بالإتصال بحسناء .
هاجر : مرحباً ، حسناء .
حسناء :
مرحباً !
هاجر :
أريد منكِ أن تأتى إلى المكان الذى كنتِ تعتادين الجلوس لديهِ .
حسناء :
لا بأس ، نلتقى هناك .
ووصلت حسناء فوجدت أن هاجر تنتظرها ، وإذ بهاجر تُلقى بحسناء فى البحر دون أي كلمة .
حسناء لهاجر :
يا مجنونة ، ماذا فعلتى ؟ سأبرد هكذا !
هاجر :
أغمرك بماءِ البحر ، لعلكِ تعودين إلى رشدك وتَكفى عن أذى نفسك أكثر من ذلك .
هاجر وهى تصرخ فى حسناء :
أفيقى يا أُختى أفيقى !
حسناء وهى تبكى :
أَعذرينى ، لقد كاد يقتلنى الوسواس ، أخطأت ولن أُكررها مرة أخرى .
هاجر :
حسناً ؛ هيا اذهبى إلى والدتك وعانقيها ، لقد كانت قلقة جداً عليكِ وحزنت لرؤيتكِ هكذا .
فتركتها هاجر ورحلت وعادت حسناء إلى منزلها وقبلت جبين والدتها واعتذرت منها .
فى الصباح التالى :
حسناء تُهاتف هاجر .
حسناء : مرحباً.
هاجر :
مرحباً ؛أراكى بخير ٍ اليوم ، كيف جرت الأمور ؟
حسناء :
نعم ، بعدما عدت قمت بصلاة ركعتين قيام الليل أمس وقرأت سورة يس ثم غفوت ورأيت رؤية عجيبة .
هاجر:
ما شاء الله ! قُصِ علي إذاً ماذا رأيتى ؟
حسناء :
رأيت فى منامى مجلس لأناس كُثر يقرأون القرآن ومن بينهم رجل يرتدى جلباب أبيض وذو لحية سوداء ، قام بمناداتى وقال : أقدمى يا حسناء ، فتعجبت من أنه يعرف اسمى وأنا لا أعرفه وقال لي هلمى لتقرأى معنا القرآن ، قلت له ولكن ليس لدي مصحف ؛ ففتح يديه وإذ بمصحف كبير فأعطاه لى وفُتح المصحف على سورة البقرة وبدأت أقرأ ولكنى كنت أتعثر فى القراءة وكان هذا الرجل يُصحح لى .
هاجر :
بُشراكى يا حسناء هذه رسالة من الله عز وجل لكِ أن مهما العبد أخطأ وأراد التوبة ، يُرسل الله له مَنْ يُرشده إلى صلاح الأمور ، فهيا قومى بنزع هذا الوشاح الأسود من حول عُنِقك وغطى رأسك وأبدأى بالتلاوة .